**تحليل سياسي | مصطفى حناوي**
لم يتغير كثيراً المشهد السياسي المغربي منذ عقود. ففي المغرب، لا يزال موقعك الاجتماعي يحدد موقفك السياسي. القبيلة تحدد الدائرة، ورجل الأعمال يحدد التمويل، والوجه الجمعوي يحدد الشرعية المحلية.
ومع اقتراب موعد *الانتخابات العامة المقررة في 23 شتنبر 2026* لانتخاب 395 عضواً بمجلس النواب، كان من المفترض أن تتحول الأحزاب إلى مدارس لتأطير المواطن وصياغة البدائل. لكن ما يجري على الأرض يؤكد العكس: المسلكيات الحزبية نفسها هي التي تكرس هذا الطرح النمطي، وتقوض أي أفق ديمقراطي حقي.
أغلبية “زواج الضرورة” ومعارضة بلا بديل
بعد انتخابات 2021، تشكلت الحكومة من تحالف ثلاثي: *التجمع الوطني للأحرار، حزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة*. تحالف وصفه متتبعون بأنه “زواج ضرورة” أكثر منه انسجام برامجي.
المفارقة أن أحزاب الأغلبية تمارس، في كثير من الأحيان، معارضة من داخل الحكومة. سلوك وصفه أستاذ العلوم السياسية عبد الحفيظ اليونسي بـ”السريالي”، لأنه يضرب في العمق مبدأ التضامن الحكومي، ويزيد من تعميق أزمة الثقة في الخطاب السياسي برمته.
أما المعارضة، فلا هي بالشراسة المطلوبة ولا بالمصداقية الكافية لتقديم بديل يخفف من ضغوط القدرة الشرائية. والنتيجة: فراغ سياسي تملأه الحسابات الانتخابية الضيقة.
من أحزاب سياسية إلى “مكاتب انتخابية”
اللحظة الانتخابية في المغرب صارت الأهم. لكنها تحولت من لحظة للتنافس على البرامج إلى معركة على التموقع.
تقول المعطيات الميدانية إن الأحزاب منشغلة اليوم بـ:
– *استقطاب رجال الأعمال* لضمان الدعم المالي
– *البحث عن الوجوه المؤثرة* في المجتمع المدني والجمعوي
– *الاعتماد على الأعيان والمال الانتخابي* بغض النظر عن المستوى الدراسي أو المسار السياسي للمرشح
وفي غياب شبه تام لبرامج سياسية خلاقة، تتحول الأحزاب إلى “أحزاب انتخابية لا سياسية”. وهو ما يفسر، حسب متابعين، حدة التقاطب التي تصل أحياناً إلى العنف اللفظي.
قانون جديد.. ونتائج قديمة
جاء القانون الانتخابي لعام 2021 بإلغاء العتبة، وباحتساب توزيع المقاعد على أساس عدد المسجلين وليس المصوتين. الهدف المعلن كان “التطهير القبلي” للمشهد.
لكن الواقع يفرض منطقاً آخر: كلما ارتفع العزوف الانتخابي، اتسع المجال أمام المال السياسي وشبكات الزبونية لتصدر المشهد. وهو ما ينذر، حسب محللين، بإفراز برلمان ضعيف، على غرار الولاية التشريعية الحالية.
عودة إلى نقطة الصفر
يشير متابعون إلى “عودة كاملة إلى الأنماط التقليدية”. فالأحزاب التي دبرت الشأن العام منذ 2011 أبانت عن عجز في إنتاج سياسات عمومية ذات أثر ملموس على معيش المواطن. وعندما لم تحقق قيمة مضافة، انسحب المواطن من التفاعل مع الخطاب السياسي.
وفي هذا السياق تظهر تحالفات جديدة مثل “الائتلاف الشعبي”، وأحزاب يتم الإعلان عن تأسيسها قبل الانتخابات بأشهر قليلة. ظاهرة “السياسة الموسمية” التي تطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام إضافة نوعية، أم مجرد بحث عن موطئ قدم في حكومة 2026؟
ما الذي ينتظرنا؟
المعطيات الأولية تشير إلى أن أحزاب الأغلبية لا تزال تملك حظوظاً تنظيمية، رغم احتمال تأثير “التصويت العقابي”. في المقابل، يبدو أن *العدالة والتنمية* قد استعاد جزءاً من ديناميته وقاعدته الانتخابية، فيما يراهن كل من *الاتحاد الاشتراكي* و*التقدم والاشتراكية* على تحسين مواقعهما.
لكن جوهر المعركة لن يكون حول الاختيارات الكبرى. سيكون حول من يملك شبكة أعيان أقوى، ومن يمتلك قدرة مالية أكبر على الحسم في 92 دائرة انتخابية محلية.
خاتمة
إذا كانت الديمقراطية معلقة على المجهول اليوم، فذلك لأن الفاعل السياسي لم يقطع مع منطق الغنيمة. ما نحتاجه قبل شتنبر 2026 ليس فقط تعديلات تقنية، بل نموذج جديد للسياسة: سياسة تربط بين المسؤولية والمحاسبة، وتعيد الاعتبار للبرنامج على حساب الموقع الاجتماعي.
وإلا، فسنكون مرة أخرى أمام انتخابات بلا سياسة.