رأي المواطن
عند صدور مدونة الصحافة والنشر سنة 2016، وجدت نفسي مع قلة قليلة من الصحافيين، في مواجهة هذه القوانين الثلاثة، قانون المجلس الوطني للصحافة، النظام الأساسي للصحافيين وقانون المجلس الوطني للصحافة، والتي نعتها أنداك ومازلت بالمعيبة والمجحفة، والمتناقضة مع الدستور المغربي، والمتنافية مع المواثيق الدولية. وقد اشرت حينها إلى مجموعة من الأخطاء والمنزلقات، وقلت بالحرف على أن من وضعوا هذا القانون إما كانوا نائمين أو فاقدين للوعي. حيث كانت الطامة الكبرى في هذا القانون هو سريانه بأثر رجعي في تعارض تام مع الفصل السادس من الدستور المغربي. هذا فضلا عن النقطة التي افاضت الكأس والمتعلقة بالمادة 16 من قانون الصحافة 13-88. ومن يرغب في الاطلاع على هذه الفضائح القانونية وغيرها التي تضمنتها مدونة الصحافة والنشر الصادرة سنة 2016، عليه أن يعود إلى الفيديوهات والمقالات والبلاغات التي نشرنها آنذاك إلى غاية استكمال آجال التمديد سنة 2020.
لكن اليوم مع هذا القانون الجديد رقم 26.25 للمجلس الوطني للصحافة الجديد، وأقول الجديد لأنه لم يسلك صيغة ومنهجية التعديلات المتعارف عليها في مسطرة تعديل وترميم وتتميم التشريعات والقوانين، كما سلكها مشروع تعديل النظام الساسي للصحافيين المهنيين رقم 25-27. ثم أن النسخة التي بين أيدينا تم تقديمها كأنها قانون جديد مؤسس للمجلس الوطني للصحافة، بالرغم من محاولة الالتفاف حول تسميتها بمشروع إعادة تنظيم المجلس. وقد أشار الوزير السابق السيد محمد الأعرج لمجموعة من الاختلالات على مستوى الدفوع الشكلية لمشروع هذا القانون. بينما في نظري أن مشروع هذا القانون بصيغته الحالية لا يخرج عن تصنيفه كقانون داخلي ينظم عملية انتخاب وانتداب أعضاء المجلس الوطني للصحافة. ولا سيما أنه يشتمل على أكثر من 60 مادة كلها تنص على الإجراءات الانتخابية والانتدابية من أصل 98 مادة تشكل مجموع مقتضيات مشروع هذا القانون. ناهيك على أن فارق 38 من مجموع هذه المواد التي تتحدث عن الوساطة والتحكيم، لا تخلو بدورها من المقتضيات الإجرائية التي تصنف في خانة المواثيق التنظيمية والقوانين الداخلية الجاري بها العمل على جميع الأصعدة التنظيمية المهنية.
قلت، أن اليوم أجد نفسي مرة أخرى أمام، ليس أشخاصا فاقدي الوعي أو نائمين، بل أمام جاهلين وأميين يفتقرون للمستويات العلمية، وقد تحديناهم ولا زلنا نطالبهم بتقديم مؤهلاتهم الجامعية، وتراهم في هذا القانون بالرغم من صيحاتنا المطلبية، لم يدرجوا شرط الإدلاء بالشواهد العليا لمن يرغب في الترشح لعضوية المجلس، سواء من الصحافيين أو من الناشرين. وأنا متيقن تمام اليقين على أن أغلبهم لا يستطيعون ذلك، لأنهم بكل بساطة ليست لديهم شواهد عليا معترف بها من طرف مؤسسات التعليم العالي الوطني. وهذا ما جعل مشروع هذا القانون رقم 25-26 يتجاوز نعته بالفضيحة والكارثة إلى ما يمكن توصيفه بقانون الجهل والأمية. لأن مصيبة فاقد الوعي أو النائم قد يستيقظ فيما بعد ويصلح ما أفسده، وهو ما يحاوله الآن السيد الوزير السابق الخلفي المصطفى عن حزب العدالة والتنمية، والسيد نبيل بن عبد الله عن حزب التقدم والاشتراكية، اللذان استفاقا مؤخرا لإصلاح ما يمكن إصلاحه على خلفية مشروع تعديل هذا قانون للمجلس، وتناسيا أنهما كانا من وراء تأسيس هذا التنظيم الذاتي الأعوج. و يقول المثل الدارجي : قالو بوك طاح، قالو من الخيمة خرج مايل”. وبالتالي فهما المسؤولان عن هذا الفساد التنظيمي والقانوني ويحولان اليوم إصلاح ما أفسداه.
ولكن مصيبة الجاهل والفاقد للعلم والمعرفة، لا أمل يرجى منه في الإصلاح والتغيير، لأنه يأتي على الأخضر واليابس ويدمر كل شيء أمامه، مهما كان ثمنه وقيمته. كما أن الجاهل يبقى دائما مصرا على جهله ومؤمنا به، ويعتقد أنه الوحيد الذي يملك مفتاح المعرفة، وأن أي انتقاد أو إصلاح يخاله صيحة ضده. وخير مثال على ذلك، هو التعقيبات التي تطل علينا بها بعض صحف هؤلاء الجهلة بكل وقاحة، ودون استحياء، الذين يدعون الإصلاح والتغيير وهم الذين عتوا في الإعلام فسادا إن على مستوى التنظيم المهني أو على مستوى إنتاج المحتوى، الذي بلغ حد نشر الفضائح (بالعلالي)، وانتهاك الخصوصية (حتى القبور والموتى لم يسلموا)، وإشاعة ثقافة الدعارة والإباحية (حتى في صفوف القاصرين والقاصرات). وللأسف أمثال هؤلاء، هم من تقدموا ببعض المقترحات لتعديل قانون المجلس الوطني للصحافة والنظام الأساسي للصحافيين. وهم الذين يشكلون النخبة المؤثرة لدى السيد وزير الاتصال، الذي لا يفضل التواصل والحوار إلا مع “طوطو” الصحافة و”طوطو” الثقافة.
فالمقترحات التعديلية المتعلقة بقانون المجلس الوطني للصحافة والنظام الأساسي للصحافيين، ليست متعارضة مع الدستور والمواثيق الدولية فحسب، بل متعارضة حتى مع ما تم تشريعه من نفس المقتضيات القانونية التي اقترحها هؤلاء الأميون. (يتبع..).