ـ بقلم : مصطفى حناوي
تمر الحياة الوطنية بمرحلة دقيقة، لا يمكن قراءتها بمنطق التبسيط أو المزايدة. هي مرحلة تتقاطع فيها ضغوط خارجية متزايدة، مع تحولات داخلية عميقة، وتطلعات مجتمعية مشروعة. وموضوعية القراءة تفرض علينا أن نميز بين ما هو ظرفي وما هو هيكلي.
ـ أولا: في تشخيص المرحلة ـ
على المستوى الخارجي، يعيش العالم على إيقاع أزمات مركبة: أزمة غذاء وطاقة، اضطراب في سلاسل الإمداد، وتحولات جيوسياسية تعيد رسم خريطة التحالفات. والمغرب ليس في منأى عن هذه التحولات، بل هو في قلبها بحكم موقعه ودوره.
على المستوى الداخلي، هناك مفارقة واضحة. من جهة، هناك أوراش كبرى مستمرة ومتراكمة تعطي صورة بلد يسير بثقة: البنية التحتية، الطاقات المتجددة، المبادرة الأطلسية، والتموقع القاري. ومن جهة أخرى، هناك ضغط اجتماعي حقيقي يعيشه المواطن في يومه: غلاء المعيشة، صعوبة الولوج للخدمات الصحية، أزمة التعليم، وندرة فرص الشغل.
هذه الفجوة بين نجاح الأوراش الكبرى وصعوبة الحياة اليومية، هي جوهر التحدي السياسي الراهن.
ـ ثانيا: ما تفرضه الضرورة من أولويات ـ
إن ضرورة المرحلة تفرض ترتيبا جديدا للأولويات، لا يقوم على منطق القطاعات، بل على منطق الأثر على المواطن.
ـ1. أولوية القدرة الشرائية والتشغيل: ـ
لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح إذا كان المواطن يشعر بأن قدرته الشرائية تتآكل. المطلوب اليوم ليس فقط دعم الاستهلاك، بل خلق الثروة عبر تشجيع الاستثمار المنتج الذي يخلق مناصب شغل قارة، خاصة في الجهات التي تعاني البطالة المقنعة.
ـ 2. أولوية إصلاح الخدمات العمومية: ـ
الدولة الاجتماعية لا تُبنى بالدعم المالي وحده. تبنى بمدرسة عمومية تستعيد ثقة الأسر، ومستشفى عمومي يستقبل المواطن بكرامة. هذان القطاعان هما مقياس نجاح أي حكومة، وأي تأخر فيهما يفرغ كل السياسات الأخرى من معناها.
ـ 3. أولوية الماء والأمن الغذائي: ـ
لم يعد الجفاف ظرفا عابرا، بل معطى هيكليا. تدبير ندرة الماء، وحماية الفلاح الصغير، وضمان سيادة غذائية حقيقية، أصبح قضية أمن قومي، لا مجرد سياسة قطاعية.
ـ 4. أولوية الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة: ـ
المواطن لم يعد يقبل بمنطق الأعذار. يريد إدارة رقمية شفافة، ومسؤولا يحاسب على النتائج، ومحاربة فعلية للفساد والريع. بدون حكامة جيدة، كل الميزانيات الضخمة المرصودة ستظل محدودة الأثر.
وختاما يمكن القول : أن المرحلة لا تحتاج إلى مزيد من الخطاب، بل إلى مزيد من الفعالية. ولا تحتاج إلى صراع سياسي حول من يتحمل المسؤولية، بل إلى توافق وطني حول كيفية الخروج من عنق الزجاجة الاجتماعي.
الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من منطق تدبير الأزمة إلى منطق بناء الثقة. ثقة المواطن في الإدارة، وثقة الشاب في مستقبله داخل وطنه، وثقة الفاعل الاقتصادي في استقرار القواعد.
تلك هي الأولويات التي تفرضها الحياة الوطنية، وما عداها تفاصيل.