بقلم: مصطفى حناوي – كاتب وصحافي
المصادر: المندوبية السامية للتخطيط – مذكرة الفصل الأول 2026، توقعات 2026، التضخم أبريل 2026
حين يصبح الحديث عن الغلاء والبطالة جزءا من اليومي البسيط للمواطن، من فاتورة الخبز إلى مصاريف المدرسة، نكون أمام ما هو أبعد من أزمة ظرفية. نكون أمام إحساس جمعي بأن البلاد دخلت “الإنعاش”.
من هنا يتصاعد مطلب “حكومة إنقاذ وطني”. ليس مطلبا ثوريا ولا انقلابا على المؤسسات، بل صرخة واقعية تقول: نحتاج تدخلا استثنائيا لإنقاذ البلاد والعباد.
*تشخيص بالأرقام: الواقع لا يرحم*
الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط خلال سنة 2026 ترسم صورة واضحة.
على مستوى التشغيل، بلغ معدل البطالة في الفصل الأول *10,8%*، أي *1.253.000 عاطل*. لكن هذا المتوسط يخفي تفاوتات خطيرة: *13,5% في المدن* مقابل *6,1% في البوادي*. وتصل النسبة إلى *16,1% لدى النساء* و *29,2% لدى الشباب بين 15 و24 سنة*.
الأخطر أن معدل عدم الاستغلال الإجمالي للقوى العاملة، الذي يجمع البطالة والشغل الناقص والقوى المحتملة، وصل إلى *22,5% وطنيا*. أي أن قرابة ربع القوة العاملة إما عاطلة أو تشتغل أقل مما تريد.
أما على مستوى الأسعار، فالتضخم يتأرجح. تتوقع المندوبية انخفاضه إلى *1,3% في 2026*، لكن شهر أبريل سجل عودة للارتفاع إلى *1,7%* بفعل أسعار النقل التي قفزت *8,4%*. المواطن لا يشعر بهذا “المتوسط” بل يشعر بارتفاع المواد الغذائية بـ *0,6%* وغير الغذائية بـ *2,5%*.
الخلاصة: نمو متوقع بـ *5% في 2026*لكنه نمو لا يترجم في التشغيل ولا في القدرة الشرائية.
*ما الحل؟ حكومة بمهام إنقاذ*
لا أحد يدعو لتعطيل الدستور. المطلوب حكومة توافقية أو تكنوقراطية، محددة بسنتين أو ثلاث، تخرج من منطق “السنة الانتخابية” وتشتغل بمنطق “سنة الإنقاذ”. مهمتها ليست تسيير الجاري فقط، بل فتح 4 أوراش هيكلية:
1. *حماية القدرة الشرائية*: التوقف عن الدعم العام الذي يستفيد منه الغني قبل الفقير، والانتقال لدعم مباشر مؤطر. مع تفعيل آليات صارمة لمحاربة الاحتكار والمضاربة في المواد الأساسية.
2. *إعادة بناء الدولة الاجتماعية*: التعليم والصحة ليسا “كلفة” في الميزانية بل استثمار. نحتاج حكامة جديدة تقيس النتائج لا الاعتمادات. مدرسة تعطي تكافؤ فرص، ومستشفى يضمن الكرامة.
3. *تشغيل الشباب عبر الاستثمار المنتج*: تبسيط مساطر الاستثمار، محاربة الريع، وتوجيه المشاريع الكبرى نحو الجهات لخلق مناصب شغل. وربط التكوين المهني مباشرة باحتياجات المقاولة.
4. *تخليق الحياة العامة*: لا إصلاح بدون ربط المسؤولية بالمحاسبة. تفعيل تقارير المجلس الأعلى للحسابات وهيئة النزاهة، ونشرها، وتفعيل المتابعة القضائية. الثقة لا تُستعاد بالخطاب بل بالأفعال.
*هل نملك ترف الانتظار؟*
الاعتراضات على فكرة “حكومة الإنقاذ” معروفة: الكلفة الاجتماعية، غياب السند الشعبي، صعوبة القرارات. وكلها وجيهة.
لكن السؤال الأهم: هل نملك ترف ترك الأمور على حالها؟
الخروج من “الإنعاش” يبدأ باعتراف جماعي بعمق الأزمة، ثم بعقد جديد بين الدولة والمجتمع. عقد أساسه: شفافية، نجاعة، وخدمة الصالح العام قبل الحسابات الحزبية.
إما أن نختار اليوم إصلاحا مؤلما لكن منظما، وإما أن تفرضه علينا غدا تراكمات الغضب. والتاريخ لا يرحم المترددين.