صناعة الرجال في زمن الفراغ السياسي: من مربع الكرة إلى ملعب الحكومة

كتب : الجمعة، 24 يوليو 2026 - 4:37 م مجتمع

بقلم: مصطفى حناوي

حين يتحول تسريب صحفي غير مؤكد إلى حملة تنصيب كاملة، وحين تقفز بعض الصفحات من احتمال انضمام إلى حزب إلى توزيع مناصب رئاسة الحكومة قبل فتح مكاتب التصويت، فنحن لا نتحدث عن خبر. نحن نتحدث عن أعراض.

والعرض الأبرز هنا هو سؤال قديم تجدد: هل نعيش أزمة أطر داخل الأحزاب، أم أننا أمام صناعة سياسية في الكواليس تبحث عن “رجل المرحلة” الجاهز، القادم من خارج المنطق الحزبي التقليدي؟

1. الفراغ الذي يصنع الأسماء

الأحزاب السياسية في المغرب تعاني منذ سنوات من تراجع في جاذبيتها. الخطاب مكرر، والمسار الانتخابي يبدو مغلقا أمام الوجوه الجديدة، والثقة في البرامج ضعيفة لدى شريحة واسعة من الشباب.

في هذا الفراغ، يصبح أي مسؤول عمومي حقق نتيجة ملموسة مرشحا تلقائيا. لا يهم الحزب، ولا يهم البرنامج، المهم هو “الصورة”. وفوزي لقجع يملك صورة قوية: إنجاز كروي تاريخي في مونديال قطر 2022، حضور قاري ودولي، وقدرة على إقناع الدولة بضخ استثمارات ضخمة في البنية الرياضية.

لكن تحويل الشعبية إلى شرعية سياسية قفزة كبيرة. السياسة لا تشتغل بالتصفيق. تشتغل بالمفاوضات، بالتحالفات، بالبرلمان، وبتحمل كلفة قرارات غير شعبية.

2. حدود القياس بين كرة القدم والدولة

لا أحد ينكر أن تدبير الجامعة الملكية لكرة القدم في السنوات الأخيرة أنتج نتائج. أكاديمية محمد السادس، تطور المنتخبات النسوية، استثمارات في الملاعب، ومكانة مغربية داخل “الكاف” و”الفيفا”.

لكن هذا الإنجاز جماعي. صنعه لاعبون، أطر تقنية، أندية، جالية مغربية، ودولة وضعت الرياضة كرافعة للصورة الدولية.

المشكل يبدأ عندما نختزل كل ذلك في شخص واحد، ثم نستخدمه كحجة للانتقال إلى تدبير قطاعات لا علاقة لها بالملاعب: المدرسة المكتظة، المستشفى الذي ينقصه الطبيب، سوق الشغل الهش، الماء، الضرائب، الدين.

الفوز على إسبانيا لا يعطي وصفة لخفض البطالة. والقدرة على التفاوض على حقوق البث لا تعني بالضرورة القدرة على التفاوض على قانون مالية يرضي الخزينة والمواطن معا.

3. الأرقام تفتح النقاش لا تغلقه

المقال الذي أثار النقاش وضع أرقام المالية العمومية على الطاولة، باعتبار لقجع مسؤولا عن قطاع الميزانية:

– عجز 2025: 61.6 مليار درهم
– اقتراض متوسط وطويل الأجل: 126.1 مليار درهم
– فوائد الدين: 43.7 مليار درهم، بزيادة تقارب 5 مليارات عن 2024
– الدين الموحد تجاوز ألف مليار درهم
– البطالة: 13 في المائة، و37.2 في المائة بين الشباب 15-24 سنة
– 78.3 في المائة من الأسر صرحت بتدهور مستوى المعيشة في 2026

هذه ليست تهمة شخصية. هي حصيلة حكومية جماعية، ولقجع جزء منها بصفته عضو الحكومة المكلف بالميزانية.

هنا مربط الفرس في النقاش الموضوعي: لا يمكن أن ننسب النجاحات للرجل ونعفيه مناقشة الاختلالات. الحكامة تقتضي مساءلة متساوية. إذا كان “رجل التوازنات” فليُسأل عن التوازنات. وإذا كان “رجل الإنجازات” فليُسأل أيضا عن الكلفة الاجتماعية لتلك الإنجازات.

نفس المنطق ينطبق على النفقات الجبائية: 32 مليار درهم سنة 2025، و86 في المائة من التدابير عمرها أكثر من 5 سنوات دون تقييم علني لمردوديتها على الشغل والاستثمار. هذا سؤال تقني وسياسي في آن.

4. تراكم المسؤوليات: كفاءة أم إشكال حكامة؟

الجمع بين منصب حكومي حساس، ورئاسة الجامعة، ومواقع داخل الاتحادين الإفريقي والدولي، يطرح سؤال الفصل بين الأدوار.

عندما تكون الدولة هي الممول الأكبر للبنيات الرياضية، والمسؤول عن الميزانية هو نفسه رئيس المؤسسة المستفيدة، فإن الشفافية لا تصبح ترفا. تصبح شرطا.

نحن لا نتحدث عن اتهام. نتحدث عن قواعد: نشر حسابات مفصلة للجامعة، كلفة المشاريع، مداخيل البث والرعاية، أجور الأطر، مكافآت المنتخبات. الشفافية هي التي تحول تراكم المسؤوليات من نقطة قوة في التفاوض إلى نقطة ضعف في الثقة.

5. فمن يصنع من؟

هل الأحزاب عاجزة فتبحث عن وجوه جاهزة خارجها؟ أم أن الإعلام ومنصات التواصل تصنع زعيما قبل أن يعلن ترشحه، وقبل أن يقدم برنامجا؟

الجواب هو الاثنان معا.

الأحزاب لم تنتج بدائل مقنعة، ففتحت الباب أمام منطق “التكنوقراط المنقذ”. ووسائل الإعلام وجدت في اسم لقجع مادة سهلة: شعبية، صور، إنجاز عالمي، وغياب منافس إعلامي بنفس الحجم.

لكن الدستور واضح في الفصل 47: رئيس الحكومة يأتي من الحزب المتصدر للانتخابات. الطريق يمر عبر البرنامج، عبر الحملة، عبر صناديق الاقتراع، لا عبر العناوين.

خاتمة: البرنامج أولا

من حق أي مواطن أن يطمح لرئاسة الحكومة، ومن حق لقجع أن ينخرط في حزب ويترشح ويدافع عن حصيلته.

ومن حق المغاربة أيضا ثلاثة أشياء قبل أي تنصيب مسبق:

1. *برنامج واضح*: ما تصوركم للمدرسة العمومية؟ لاستقلال القضاء؟ للحماية الاجتماعية؟ لخفض كلفة الدين؟ للعدالة الضريبية؟
2. *محاسبة موضوعية*: الاعتراف بالإنجازات لا يلغي مناقشة الأرقام الصعبة.
3. *فصل مؤسسي*: توضيح كيف سيدار التضارب المحتمل بين المسؤوليات.

الكرة ليست حكومة. والجمهور ليس ناخبا. والانتصار في 90 دقيقة ليس هو تدبير 5 سنوات.

ما نحتاجه اليوم ليس “رجل المرحلة” الذي نصنعه في الكواليس، بل مرحلة تصنع رجالا داخل الأحزاب، عبر برامج، وعبر نقاش عمومي، وعبر صناديق الاقتراع.

حينها فقط لن يكون أي اسم، مهما كانت شعبيته، شيكا على بياض.

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط التعليق :