رأي المواطن
الكاتب و الأستاذ : محمد الحداد
باحث وفاعل تربوي مهتم بقضايا التنشيط التربوي والتعلم داخل الفضاءات غير النظامية.

عندما يذكر المخيم، يتبادر إلى أذهان الكثيرين مباشرة ذلك الفضاء المرتبط بالعطلة الصيفية، واللعب، والمرح، والأنشطة الترفيهية التي يقضي فيها الأطفال واليافعون أوقاتا مختلفة بعيدا عن الروتين اليومي وضغط الدراسة. هذه الصورة التي ترسخت عبر سنوات طويلة جعلت المخيم، في الوعي الجماعي، فضاء للترفيه أكثر منه فضاء للتربية والتعلم.
غير أن التحولات التي عرفها الفكر التربوي الحديث، وما أفرزته النظريات المعاصرة في مجال التعلم، جعلت الباحثين والمهتمين يعيدون النظر في مفهوم التعلم ذاته، فلم يعد التعلم حكرا على المدرسة أو الفصل الدراسي، كما لم يعد مرتبطا فقط بالكتاب المدرسي والسبورة والاختبارات التقليدية، بل أصبح اليوم مفهوما أكثر اتساعا، يمكن أن يتحقق داخل فضاءات متعددة، رسمية وغير رسمية، شرط توفر التفاعل والتجربة والممارسة.
من هذا المنطلق، يطرح المخيم التربوي نفسه باعتباره واحدا من أهم الفضاءات القادرة على إنتاج التعلم، ليس فقط باعتباره مكانا للترفيه، ولكن باعتباره بيئة تربوية متكاملة تسمح ببناء المعارف وتنمية المهارات وصقل شخصية الفرد في ظروف طبيعية قائمة على التفاعل اليومي والانخراط الجماعي.
إن المتأمل في الحياة اليومية داخل المخيم يلاحظ أن المستفيد لا يعيش تجربة عادية، بل يعيش وضعيات تربوية متجددة ومتنوعة، تبدأ منذ لحظة الاستيقاظ الجماعي، مرورا بالورشات الفنية والثقافية، والألعاب الجماعية، والأنشطة التعبيرية، والعروض المسرحية، والنقاشات المفتوحة، وصولا إلى تحمل المسؤوليات وتقاسم الأدوار داخل الجماعة. وكل هذه الممارسات، وإن بدت للبعض أنشطة عادية أو ترفيهية، فإنها في جوهرها تشكل مواقف تعليمية حقيقية تساهم في اكتساب المتعلم لعدد كبير من الكفايات.

لقد ظلت المدرسة، لسنوات طويلة، تقدم باعتبارها الفضاء الوحيد للتعلم، غير أن التجربة أثبتت أن الإنسان يتعلم بشكل أكبر عندما يعيش التجربة بنفسه، وعندما يجد نفسه داخل مواقف طبيعية تتطلب التفاعل والمشاركة واتخاذ القرار. وهذا بالضبط ما يوفره المخيم التربوي، الذي يمنح للمستفيد فرصة التعلم دون الشعور بأنه داخل وضعية تعليمية تقليدية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التنشيط التربوي باعتباره القلب النابض للحياة داخل المخيم. فالتنشيط ليس مجرد ألعاب وتمارين لملء الوقت، كما يعتقد البعض، بل هو عملية تربوية متكاملة تهدف إلى تحفيز التفكير، وتنمية روح المبادرة، وتقوية الثقة بالنفس، وتطوير مهارات التواصل والعمل الجماعي. فالطفل أو اليافع حين يشارك في نشاط جماعي، أو يقدم عرضا شفهيا أمام الآخرين، أو ينخرط في لعبة تربوية، فإنه في الواقع يمارس عملية تعلم حقيقية تتجاوز حدود الترفيه البسيط.

ومن خلال تجربة بحثية ميدانية أنجزت حول أثر التنشيط التربوي داخل المخيمات، اتضح بشكل جلي أن الأنشطة التربوية المنظمة قادرة على إحداث أثر واضح في تنمية عدد من المهارات، خاصة مهارات التواصل الشفهي، والقدرة على التعبير، والتفاعل مع الآخرين، والانخراط الإيجابي داخل الجماعة. وقد أكدت النتائج أن المستفيدين الذين يعيشون تجربة المخيم في إطار برنامج تربوي مدروس يحققون تطورا ملحوظا مقارنة بالتصورات التقليدية التي تختزل المخيم في كونه فضاء للترفيه فقط.
إن الحديث اليوم عن المخيم لم يعد ينبغي أن ينطلق من الرؤية الكلاسيكية القديمة، لأن المخيمات الحديثة أصبحت تشتغل وفق تصورات جديدة تعرف بالمخيمات الموضوعاتية، التي تقوم على إدماج التربية والثقافة والفن والمهارات الحياتية والتعلم داخل المشروع التخييمي. بل إن عددا من التجارب الدولية بدأت تتعامل مع المخيم باعتباره امتدادا طبيعيا للفعل التربوي الذي يبدأ داخل المدرسة ويتواصل خارجها.

إننا اليوم في حاجة إلى إعادة الاعتبار للمخيم داخل النقاش التربوي، ليس فقط كوسيلة للترفيه وتفريغ الطاقة، بل كفضاء بديل قادر على المساهمة في بناء الإنسان، وتنمية قدراته، وإعداده للحياة الاجتماعية من خلال التعلم بالممارسة والتفاعل والخبرة المباشرة.
لقد آن الأوان لتجاوز ذلك الحكم السطحي الذي يعتبر المخيم مجرد مساحة للعب والتسلية، لأن الحقيقة التي تؤكدها التجربة الميدانية والممارسة التربوية هي أن المخيم يمكن أن يكون مدرسة مفتوحة، يتعلم فيها الفرد بطريقة مختلفة، ويكتسب فيها ما قد لا توفره له القاعات الدراسية المغلقة.

إن المدرسة تعلم داخل الفصل الدراسي، أما المخيم فيعلم داخل الحياة نفسها، وربما في هذا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الفضاء الذي ما زال في حاجة إلى مزيد من البحث العلمي والاهتمام المؤسساتي حتى يأخذ مكانته الطبيعية داخل المنظومة التربوية الحديثة.